يبدو العام 2011 اليوم بعيدًا جدًا، وكأن نصف قرن مضتْ منذ أحداثه التي نرى أثرها اليوم ربما في المنطقة بكاملها .. لكنني لست هنا لأقص عليك حكايات تاريخية، ولا نقاشات سياسية، أنا أحدّثك عن 2011 لأنه العام الذي شهد افتتاح أول مساحة عمل مشتركة في مصر: The District في القاهرة العاصمة، وكانت فكرتها ببساطة: توفير مكان يُلبّي احتياجات روّاد الأعمال والمستقلين الباحثين عن بيئة مرنة للعمل والتعاون.
نجحت الفكرة، وفي وقت لاحق كان افتتاح مساحة العمل الأولى في الإسكندرية: IceAlex وكانت من أوائل المبادرات السّكندرية لتوفير بيئة عمل تعاونية، تدعم رواد الأعمال والمبتكرين في المجتمع السّكندري.
وكلا المساحتين كانتا خطوة أساسية ومحورية في انتشار فكرة مساحات العمل المشتركة في مصر، والتي استمرت في النمو والانتشار منذ ذلك الحين، حتى أنها اليوم ربما تغطّي جميع محافظات الجمهورية.
كيف بدأ الورك سبيس؟
نشأت فكرة مساحات العمل عالميًا كرد فعل على تغيّر أساليب العمل التقليدية، وذلك مع تطور التكنولوجيا وزيادة أعداد العاملين عن بُعد، باتت الحاجة مٌلحّة لبيئات عمل مرنة تجمع الأفراد من مختلف المجالات تحت سقف واحد، مع تقديم كافة الأدوات والخدمات التي يحتاجونها لإنجاز مهامهم بكفاءة. المساحات المشتركة توفر فرصة للتفاعل والتعاون في بيئة ملهمة، بعيدًا عن قيود المكاتب التقليدية.
مع ظهور أولى مساحات العمل في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية، كان التحدي الحقيقي لأصحابها هو إقناع الجمهور بهذه الفكرة الجديدة، خاصة أن المجتمع المصري لم يكن معتادًا على فكرة “العمل الحر” أو “العمل من المنزل”؛ ولكن مع ازدياد عدد الشباب الذين يطلقون مشاريعهم الخاصة أو يعملون بشكل مستقل، بدأت هذه المساحات تكتسب شعبية وانتشارًا.
في البداية، وكما هو مُتوقّع، تباينت ردود الفعل: البعض وجدها فرصة مثالية للهروب من الروتين اليومي للمكاتب، بينما رأى فيه البعض الآخر نوعًا من الترف أو الرفاهية غير الضرورية.
لكن بمرور الوقت، ومع ازدياد نجاح هذه المساحات في دعم رواد الأعمال والمشاريع الناشئة، أصبحت تجربة الورك سبيس جزءًا أساسيًا من روتين العمل اليومي لدى الكثيرين، فهي لا تقدم فقط مكانًا للعمل، بل تتيح أيضًا فرصًا للتواصل، تبادل الأفكار، والاستفادة من تجارب الآخرين.
العديد من مساحات العمل تقدم فعاليات، ورش عمل، وجلسات تدريبية، مما يجعلها مركزًا نابضًا بالحياة يدعم مجتمعًا متنوعًا من المستقلين والشركات الناشئة، وحتى الطُلاّب من جميع المراحل الدراسية.
والإسكندرية: في المقدّمة دائمًا !
وليس ذلك لأن إيجي ورك سبيس هو مشروع سكندري بالأساس، ولا لأن فريق العمل من سُكّان عروس المتوسط، فقد شهدت مدينة الإسكندرية ظهور أولى مساحات العمل في وقت لاحق مقارنة بالقاهرة، لكن ما لبثت أن أصبحت جزءًا أساسيًا من بيئة العمل في المدينة، من خلال المبادرات الفردية لبعض رواد الأعمال، فكان افتتاح أولى المساحات التي جذبت الشباب الباحث عن بيئة عمل مريحة ومرنة بعيدًا عن المنزل أو المقهى.
ولا يمكن لأي مستقل أو عامل في مجال تكنولوجيا المعلومات أن ينسى [معمل] الورك سبيس الأكبر والأشهر، وربما الكثيرين منّا لم يعرف سواه كمساحة عمل تأسست في العام 2012 وكان لها دور بارز في تعزيز مفهوم مساحات العمل المشتركة في الإسكندرية، حيث قدم بيئة مفتوحة للفنانين، المبدعين، ورواد الأعمال، مع توفير مساحات للعمل وورش التدريب والفعاليات الثقافية. حتى صار محطة تاريخية لها أهميتها في هذ المجال.
مساحات العمل: انتشارٌ وجمهورٌ، وأكثر ..
لا أُنكر دهشتي من عدد مساحات العمل التي فوجئت بوجودها في الإسكندرية وحدها، ما يقرب من السبعين حتى هذه اللحظة، خاصة وأن الإسكندرية دائمًا ما يُنظر إليها باعتبارها مدينة ساحلية مصيفية صغيرة، لا تحتمل هذا الزخم، لكن الحقيقة أن أعداد الورك سبيس في الإسكندرية ليست بالقليلة، بل وتزداد، ما بالك بعاصمة ضخمة مثل القاهرة !
والحقيقة أنّ هذا الانتشار إنما ارتبط أولاً بانتشار الوظائف والأعمال المتعلقة بالإنترنت وتكنولوجيا المعلومات، والتي تحتاج لمساحات ذات طبيعة ومواصفات وتجهيزات خاصة، يصعُب توفيرها في المنزل، مع انتشار موازٍ لمفهوم العمل عن بُعد، والعمل الحر، وهكذا صنع الجمهور مساحات العمل وصنعت هي جمهورها، من المبرمج إلى مصمم الجرافيك، صانع المحتوى والمسوّق الرقمي، المُدرّب والمُحاضر، كلّهم وجدوا في هذه المساحات بيئة مثالية لأعمالهم، تبتعد بهم عن شبح العزلة المنزلية، وتجمعهم مع نظرائهم وفريق عملهم، في أجواء تنافسية وإبداعية.
حتى الشركات – التقنية على وجه الخصوص – قد بدأت بالتخلّي عن فكرة المقرّ التقليدي، الذي يجمع موظفيها بمواعيد عمل رسمية، ولوائح وقواعد، لصالح مساحات عمل مرنة، خاصة مع الدراسات التي تؤكد على أن توجّهًا كهذا كفيلٌ بزيادة إنتاجية الموظفين، وخفض تكاليف التشغيل، وتوفير بيئة عمل جاذبة لأصحاب المواهب، بما توفّره من موازنة أفضل بين الحُرّية والإنتاج، والعمل والحياة الشخصية.
على الناحية الأخرى كان للشّباب دورهم في انتشار ثقافة الورك سبيس، فهم معظم جمهورها والعاملون فيها أيضًا، وبالنسبة للأعمار الأصغر، مثّلت لهم الورك سبيس مساحة جديدة ومختلفة سواء للّقاءت الودية، أو الدّراسة، خاصة مع ما توفّره كثير من هذه الأماكن من التجهيزات التي تجذب الشباب، بدءًا من الإنترنت المجاني، وحتى أجهزة البلاي ستيشن!
موضة، لكنها ليست عابرة ..
لا يمكن نفي حقيقة أن مساحات العمل المشتركة في مصر قد قطعت شوطًا بعيدًا في السنوات الأخيرة، وأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المشهد الاقتصادي والاجتماعي.
قد يعتبرها البعض موضة بالفعل، تنتهي كما انتهت مراكز الاتصالات، ومقاهي الإنترنت، وغيرها، لكننا في إيجي ورك سبيس نؤمن أن استمرار التطور التكنولوجي وتغير احتياجات القوى العاملة، سيؤدي إلى أن تشهد مساحات العمل المشتركة مزيداً من النمو والتنوع، بما يتناسب مع ظهور وظائف جديدة، واحتياجات مختلفة، وأفكار مُبتكرة، ولذلك نحن هنا في إيجي ورك سبيس، لمتابعة كل ما يستجدّ، ولنُبقيك على اطّلاع دائم بكل جديد..
